وقفة في ظل آية
قال تعالى في أواخر سورة الفرقان: ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما )
هذه الصفة من صفات عباد الرحمن وهي عدم الإسراف وعدم الاقتـــــار,
فهذا مدح لعباده الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم فلا يجاوزن حد الإسراف في الإنفاق ولا يضيقون فيبخلون بالقدر الازم..
فالإسراف: هو مجاورة الحد في النفقة..
والقتر: هو التضييق المخل بسد اللازم, قال ابن كثير رحمه الله: أى ليسوا مبذرين في انفاقهم, فيصرفوا فوق الحاجة
ولا بخلاء على أهليهم فيقصروا في حقهم, فلا يكفوهم بل عدلا خيارا, وخير الأمور أوسطها لا هذا ولا هذا.........
واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم عن ابن عباس في قوله: (والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)
قال: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في معصية الله, ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله..
أورد القرطبي قول النحاس ومن أحسن ما قيل في معناه أن من انفق في غير طاعة فهو الإسراف
ومن امسك من طاعة فهو الإقتار, ومن انفق في طاعة فهو القوام.
وقال ابن عباس: من انفق مائة الف في حق فليس يسرف, ومن انفق درهما في غير حق فهو سُرف
ومن منع حقا عليه فقد قتر.. قد يظن البعض عندما يقراء هذه الآية ويحاول التمثل بها أن عليه أن يترك لباسه الفاخ
ر ويترك زينته والعناية بشكله ومظهره ويأكل من الطعام ما يسد به الجوع ويشرب ما يسد به الظمأ بأقل قدر ممكن.
وما زاد فهو الإسراف.. فنقول: لا............
إن الواجب هو القوام في الإنفاق كل على قدر الحال وحسب القدرة على الكسب فمن أتعم الله عليه فإن الله يحب
أن يرى أثر نعمته على عبده, فهذه الآية لم تحرم علينا المباحات وإنما وضعت لنا فيها تأديبا خاصا..
فإدب الشرع في الإنفاق هو ألا يفرط الإنسان حتى يضيع حقا آخر.. أو عيالا ونحو هذا وألا يضيق ويقت
ر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح. والحسن في هذا هو القوام اي العدل. قال تعالى:
(قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق هل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) الآية:
فهذا سؤال إنكار من حرم زينة الله التي أخرج لعباده كاللباس والطيبات. قال تعالى:
(ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتقتروا على الله الكذب, إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)
وقال: ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم, وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ظلوا وما كانوا مهتدين)
وقوله: (أرأيتم ما أنزل الله لكم فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون)
فلأصل الإباحة إلا ما حرم الله عز وجل فهو حرام لا بد من اجتنابه فجميع هذه الآيات تنفي لنا المفهوم الخاطئ عن الإسلام
وأنه دين قذارة ولبس المرقع من الثياب ودين يكره الزينة والتزين لأهله,, فقط دين عبادة (صلاة وصيام وزكاة وجهاد و....)
لا..... ليس هذا هو الإسلام فقط. بل إن الإسلام لم يحرم كل هذه الطيبات والإستمتاع بالمباح منها فقط بل علمنا كيف نحول
كل هذه الأعمال المباحة إلى عبادات بإخلاص النية لله عز وجل والبحث عنها وكسبها من طريق اباحه الله عز وجل ولنا
في رسول الله اسوة حسنة.
روى مكحول في زينة النبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: (كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه
على الباب فخرج يريدهم وفي الدار ركوة فيها ماء.. فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره فقلت يا رسول الله وأنت تفعل هذا؟
قال: نعم.. إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال)
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة كبر)
فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسن ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال.. الكبر بطر الحق وغمط الناس)
وأحاديث كثيرة تدلنا على أن الإنفاق في تحصيل النظافة وحسن الهيئة ليست من الإسراف في شيء أبدا ولكن بضوابط وحدود حتى
لا تصل إلى حد الإسراف. قال ابو الفرج بن الجوزي رحمه الله: وأنا أكسوه لبس والمرقعات لأربعةأوجه..
أحدهما: أنه ليس من لبس السلف وإنما كانوا يرقعونها بضرورة... والثاني: أنه يتضمن إدعاء الفقر
وقد أمر الإنسان أن يظهر أثر نعمة الله عليه, والثالث: إظهار الزهد, وقد أمرنا بستره, والرابع: أنه تشبه بهؤلاء
المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وقال الطبري: ولقد أخطأ من آثر لبس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه
من حله(اي من طريق الحلال).. ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر..
ومن ترك أكل اللحم خوفا من عارض الشهوة للنساء..
وقبل أن نختم نود أن نذكر انفسنا أن نعم الله عز وجل لا تدزم على الإنسان ولا تزيد إلا بشكر
الله على هذه النعم وشكر هذه النعم يكون من جنس هذه النعمة فمثلا شكر نعمة المال هو الإنفاق في سبيل الله.
فهل كل من يملك هذه النعمة أدى حقها؟
بل للأسف صار حالنا- إلا من رحم ربك- الإسراف في الإنفاق على أنفسنا والاقتار على إخواننا
ومن هم بحاجة إلى قطرة ماء وكسرة خبز..
اناس يموتون منتفخي البطون من ألوان وأصناف الطعام والشراب وآخرين يموتون منتفخي البطون أيضا..
ولكن من ماذا ياترى؟ إنه من شدة الجوع أياما بل أسابيع وشهور لا يعرفون طعاما ولا شرابا
أو ليس أولئك مسئولون عن هؤلاء...؟
اناس يرتدون لباسا خاصا لزيارات الصباح وغيره للمساء وآخر للنوم ولكل زي حذاء
و... و... و... وآخرين يجمد دمائهم ثلج الشتاء القارص لا يجدون بيتا ولا كساء ولا حذاء يقيهم من شدة البرد..
ألن نُسأل عن هؤلاء؟
فهل نقيس ما نحن فيه مقارنة بما هم فيه بالإسراف أو التقتير..؟
نسأل الله العفو والعافية..
( وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ* وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ)
|